الحسن بن محمد البوريني وعبد الغني النابلسي

251

شرح ديوان ابن الفارض

والمعنى : لمّا تبلج صبح الليل في لمّتي زهد الغواني في وصلي فذهبن مصاحبات للحزن جازعات من اقترابي بعد فرحهن في حزن الجزع بي لشبيبتي ، وحيث كان فرحهنّ بالشباب فمن المعلوم أن حزنهنّ للمشيب . وفي البيت الجناس المحرّف في فرحن وفرحن ، وفي بحزن وبحزن ، وشبه الاشتقاق بين جازعات والجزع . ( ن ) : رواح الغواني : أي الأسماء الإلهية كناية عن رجوعهنّ إلى حقيقة الذات الأقدس في نظر المحبّ لفنائه وفناء كل شيء عنده فلا يبقى ما تتعلق الأسماء الإلهية بالتأثير فيه . وجزعهن : أي جزع الأسماء الإلهية كناية عن زيادة طلبهنّ للتأثير في الأشياء وكمال توجّههنّ إلى إيجاد العوالم فإذا انكشف للسّالك فناؤه في الوجود الحقّ اختفين عنه في ذات الوجود الحقّ بحيث لم يبق عنده غير ذات الوجود الحقّ سبحانه . والجزع كناية عن باطن الجسم الإنساني فإن الأسماء الإلهية متوجّهة على الروح ، والروح متوجّهة على الجسم الإنساني بالقوى العرضية . وفرحهنّ به كناية عن تصرّفهنّ فيه بتوجيه الروح الأمري وإعطاء كل اسم مقتضاه . وقوله لشبيبتي : أي لأجلها وهي حالة صغره وجهله مقام العرفان ورعونته وغفلته عن التحقّق بعالم الإمكان . اه . جهلن كلوّامي الهوى لا علمنه وخابوا وإني منه مكتهل فتي [ الاعراب ] الضمير في جهلن للغواني أيضا . واللوّام على وزن رمّان جمع لائم وهو المعنّف على المحبة . و « الهوى » بالقصر المحبة . وقوله « لا علمنه » : جملة دعائية يدعو بها على الغواني اللاتي جهلن هواه فنفرن عنه عند شيبه ظنّا منهنّ أن الشيب يذهب المحبّة ويسكن نارها ، والحال أن المحبة تزيد ولا تزول وتجول في القلب ولا تحول . وقوله « وخابوا » : معطوف على لا علمنه وهي أيضا دعائية ، والضمير في خابوا اللوام . وقوله « وإني منه مكتهل فتي » : إشارة إلى طول مدة محبته وقوّتها فهو من حيث طول مدّة الهوى مكتهل منه ومن حيث قوته وشدّته فتى فإن الفتى الشاب الناشئ والمكتهل من دخل الأربعين فكأنه يقول جدّة الهوى وقوته غير متغيّرة بتطاول زمان المحبة . وقد قلت في ذلك : أرى الجسم مني يضمحل وإنما * محبتكم تقوى عليّ وتثبت ولم يبق من غرس السلو بقية * ولكن أصول الحبّ في القلب تنبت وقال الشيخ إبراهيم بن رفاعة رضي اللّه تعالى عنه في هذا المعنى : صرت شيخا وما تغيّر حالي * في هواهم وهمّتي كالشباب